blogs

وُلِدَ الحبيبُ فالكائناتُ ضياءُ     وفمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ

(نهج البردة، أحمد شوقي)

في ذلك الفجر المبارك، لم يكن العالم يدرك أن صفحةً جديدة من تاريخ الإنسانية قد بدأت، وأن طفلًا وُلد في بيتٍ متواضع بمكة سيغيِّر مجرى التاريخ، ويخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان.

:قال الله تعالى

:وقال سبحانه

فإذا كانت الأرض تُشرق يوم القيامة بنور ربها، فإن القلوب في الدنيا لا تشرق إلا بالنور الذي أنزله الله لهدايتها. وقد رأى أهل التربية والسلوك، كالإمام سهل بن عبد الله التستري، أن إشراق الأرض يقابله إشراق القلب؛ فإذا أشرق القلب بمعرفة الله، انقشعت عنه ظلمات الغفلة، والشهوات، والهوى، كما تنقشع الظلمة عن الأرض عند طلوع النور.

والنور الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ ليس نورًا يُبصر بالأعين، بل نورٌ تهتدي به البصائر، وتحيى به الأرواح، وتستقيم به الحياة. ولذلك قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾، فكان رسول الله ﷺ حامل هذا النور، ومبلغه إلى البشرية، ودليلها إلى ربها

وكلما ازداد العبد قربًا من هذا النور، ارتقى في مدارج الهداية؛ فيبدأ بنور الإسلام الذي يخرجه من ظلمات الكفر، ثم يرتقي إلى نور الإيمان الذي يملأ قلبه بالتصديق، ثم إلى نور اليقين الذي يزيل عنه الشك، ثم إلى نور المعرفة الذي يورثه شهود آثار الله في كل شيء، ثم إلى نور القرب من الله، حيث تصبح الطاعة لذته، والذكر أنسه، والرضا مقامه، ومحبة الله ورسوله ﷺ أعظم ما يملأ قلبه

إن مولد سيدنا محمد ﷺ بداية إشراقٍ لم يشهد التاريخ له مثيلًا؛ إذ لم يكن إشراق شمسٍ على أرض، بل إشراق نور الوحي على القلوب، نورٌ لا تغرب شمسه، ولا ينطفئ أثره، بل يبقى حيًّا في كل قلبٍ عرف الله، وأحب رسوله، وسار على هديه حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وإذا كان هذا هو النور الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ، فكيف كان ذلك اليوم الذي أشرقت فيه الدنيا بمولده؟ وكيف استقبلت الأرض ذلك المولود الذي لم يأت ليضيء زمانًا بعينه، بل جاء ليحمل نور الهداية للبشرية كلها إلى قيام الساعة

روت آمنة بنت وهب رضي الله عنها أنها رأت عند ولادته ﷺ نورًا، فقالت

ولم يكن ذلك النور – في معناه – إلا بشارةً بما سيحمله هذا المولود من نور الوحي والهداية، نورٍ لن يقتصر على أرضٍ دون أرض، ولا على قومٍ دون قوم، بل سيبلغ المشارق والمغارب، ويهدي الله به من شاء من عباده إلى يوم القيامة

واستقبل أهل مكة مولده كما تستقبل كل أسرة مولودها الجديد؛ بالفرح والسرور، ولم يكن أحدٌ منهم يعلم أن هذا اليتيم الذي نشأ بينهم سيصبح بعد سنوات خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، ورحمةً للعالمين

ثم شاء الله أن تبدأ بركات هذا المولود الكريم بالظهور منذ أيامه الأولى، فكانت حليمة السعدية رضي الله عنها من أوائل من شهد آثارها. خرجت من ديار بني سعد في عامٍ أصاب الناس فيه القحط، وقد أنهك الجوع الناس والدواب، حتى كانت أتانها أبطأ الرواحل، وكانت شارفها لا تكاد تدر قطرة لبن، وكان رضيعها يبكي من شدة الجوع

ولما عُرض عليها محمد ﷺ ترددت أول الأمر؛ لأنه كان يتيمًا، وكانت المرضعات يرجون من آباء الأطفال ما يعينهن على مؤونة الرضاعة، أما اليتيم فلا يُرجى من ورائه كثير عطاء. لكنها ما لبثت أن قالت:

:وكانت كما قالت

فما إن حملته بين يديها حتى امتلأ ثدياها لبنًا، فشرب هو وأخوته من الرضاعة حتى شبعوا، بعد أن كانوا لا يجدون ما يكفيهم. وقويت دابتها حتى سبقت دواب القوم بعدما كانت أبطأها، وتعجبت النسوة وقلن: ما هذه الأتان التي كانت أبطأ الرواحل؟

ولما رجعت إلى ديارها، كانت غنمها ترعى فتعود وقد امتلأت ضروعها لبنًا، بينما تعود مواشي الناس كما خرجت؛ هزيلةً قليلة اللبن. حتى صار قومها يقولون لرعاتهم

فيرعون في الموضع نفسه، فلا يجدون ما كانت تجده غنم حليمة

ولم تكن تلك البركة في المال والرزق وحدهما، بل كانت بركةً أحاطت بالبيت كله؛ سكينةً، وطمأنينةً، وسعةً، حتى أيقنت حليمة وزوجها أن لهذا الغلام شأنًا ليس كسائر الغلمان، وأن الله قد أكرمهما بخدمته ورعايته

وكأن الله سبحانه أراد أن يعلِّم الأمة منذ اللحظات الأولى أن هذا المولود إنما جاء رحمةً وبركةً، وأن من يقترب من هديه ينل من بركته، ومن يتشرف بخدمته يفتح الله له من الخير ما لا يحتسب. فإذا كانت بركة صحبته في طفولته قد شملت بيتًا صغيرًا في بادية بني سعد، فكيف ببركة رسالته التي عمَّت الدنيا، وأحيت القلوب، وأخرجت الأمم من الظلمات إلى النور؟

بين الغلو والجفاء… أين يقف المحب الصادق؟

لم يترك الشيطان أمةً إلا جرَّها إلى أحد طرفين: الغلو أو الجفاء، وما نجا إلا من تمسك بالهدي النبوي، الذي هو طريق الوسط والاعتدال

وقد انشغل كثير من الناس بالحديث عن الغلو في محبة رسول الله ﷺ، حتى غفلوا عن داءٍ لا يقل خطرًا، بل لعله في زماننا أشد انتشارًا، وهو الجفاء. وليس الجفاء أن يبغض الإنسان رسول الله ﷺ، فحاشا لمؤمن أن يكون كذلك، وإنما الجفاء أن يضعف حضوره في القلب، ويغيب ذكره من المجالس، وتُهجر سيرته، وتُنسى سنته، ويصبح الحديث عنه حديثًا موسميًا، لا غذاءً دائمًا للروح

لقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يعيشون معه في كل تفاصيل حياتهم. كانوا يتعلمون منه كيف يصلون، وكيف يبيعون ويشترون، وكيف يفرحون ويحزنون، وكيف يربون أبناءهم، وكيف يعاملون أزواجهم وجيرانهم وأعداءهم. أما اليوم، فكثير من المسلمين يعرفون أسماء المشاهير أكثر مما يعرفون سيرة نبيهم ﷺ، ويحفظون أخبار الدنيا أكثر مما يحفظون من هديه، ويقضون الساعات الطويلة في متابعة ما لا ينفع، ثم يستثقلون دقائق يقضونها في قراءة صفحة من سيرته العطرة

ومن هنا يبدأ انطفاء النور؛ لأن القلوب لا تضيء إلا بما يرد عليها من نور الوحي، ورسول الله ﷺ هو المبلغ لهذا النور، والدال عليه، والأسوة الحسنة في تطبيقه. فإذا هُجرت سيرته، وضعفت محبته، وغابت سنته عن واقع الحياة، قست القلوب، واشتدت الغفلة، وابتعد الناس عن معاني الرحمة، والتواضع، والإخلاص، والحياء، والصدق، التي جاء ليغرسها في الأمة

وحين يقسو القلب، يتسلل إليه داءٌ خطير، هو داء الكبر. فيرى الإنسان نفسه بعلمه، أو برأيه، أو بمنزلته، فيأنف من قبول الحق، أو يحتقر غيره، أو يجعل نفسه ميزانًا للناس. وقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول

وليس من هدي محمد ﷺ الكبر، بل كان وهو سيد ولد آدم يقول: «إنما أنا عبد.» ويجلس حيث ينتهي به المجلس، ويخدم أهله، ويجيب دعوة الفقير، ويجالس المساكين، ويزداد تواضعًا كلما ازداد قربًا من ربه

ومن صور الجفاء في زماننا أن بعض الناس اختزلوا الحديث عن مولده ﷺ في الجدل حول البدعة، حتى غاب عنهم صاحب المولد نفسه. فأصبحت المجالس تنشغل بالخلاف، بينما يُهجر الحديث عن شمائله، وسيرته، وأخلاقه، ورحمته، وهديه، وكأن القضية لم تعد: كيف نزداد حبًا لرسول الله ﷺ واتباعًا له؟ بل: كيف ننتصر لرأينا؟

ولا ريب أن كل عملٍ يُتقرب به إلى الله ينبغي أن يكون موافقًا للكتاب والسنة، وأن المسلم مأمور باجتناب ما لم يشرعه الله ورسوله. لكن من الظلم أن يتحول الحرص على السنة إلى سببٍ لإماتة ذكر رسول الله ﷺ، أو إضعاف محبته في القلوب، أو صرف الناس عن التعرف إلى سيرته. فإن السنة نفسها إنما جاءت لتوصلنا إليه، وتربطنا بهديه، وتزيدنا حبًا له واتباعًا له

:ولقد علَّمنا رسول الله ﷺ بنفسه كيف يتعامل مع يوم مولده. فلما سُئل عن صيام يوم الاثنين قال

فكان يشكر الله على نعمة مولده بالعبادة، لا بالغفلة، وبالصيام، لا باللهو. وفي هذا إشارة بديعة إلى أن أعظم احتفاءٍ بمولده ﷺ هو أن نزداد شكرًا لله، ومحبةً لرسوله، واتباعًا لسنته، وإحياءً لهديه في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا

إن المحب الصادق لا يقف مع الغلاة الذين يجاوزون هديه، ولا مع الجفاة الذين يطفئون نوره، وإنما يقف حيث وقف رسول الله ﷺ. يحبُّه حبًا يملأ القلب، ويترجم هذا الحب اتباعًا، واقتداءً، وصلاةً وسلامًا عليه، وتعلمًا لسيرته، وإحياءً لسنته، حتى يبقى نور محمد ﷺ حيًا في قلبه، يهديه في الدنيا، ويؤنسه في قبره، ويثقل ميزانه يوم القيامة، ويكون له نورًا على الصراط بإذن الله تعالى

فوَاللهِ، ما أبعد الفلاحَ عن قلبٍ خلا من محبة رسول الله ﷺ، ولا أظلمُ من قلبٍ لم يشتعل شوقًا إليه، ولم يَعْمُر بذكره، ولم يَلْهَج بالصلاة والسلام عليه، ولم يجعل من سيرة حياته وهديه وسننه، الراتبة منها والنادرة، زادًا لأيامه ولياليه. فبمحبته ﷺ يحيا الإيمان، وباتباعه تستقيم الطريق، وبصحبة سيرته تتهذب النفوس، وبإحياء سنته يشرق القلب بنور الهداية، حتى يلقى العبد ربَّه وهو متعلقٌ بأوثق عرى المحبة والاتباع

وإن كان لمولد رسول الله ﷺ من معنى يتجدد في كل عام، فليس لأنه ذكرى تاريخية تُستحضر، بل لأنه محطة إيمانية توقظ في القلوب ما خمد من محبته، وتبعث ما فتر من العزائم، وتجدد العهد بالسير على هديه، وإحياء سنته، وتعلم سيرته، والصلاة والسلام عليه. فالمقصود من إحياء ذكرى مولده ليس الوقوف عند يومٍ مضى، وإنما أن يعود محمد ﷺ حاضرًا في حياتنا، قائدًا لقلوبنا، وموجهًا لأخلاقنا، وإمامًا نسير على خطاه

وليس الاحتفال الصادق بمولده ﷺ في كثرة المظاهر، وإنما في أن نزداد معرفةً به، ومحبةً له، واتباعًا لسنته، حتى ينعكس ذلك على عباداتنا، وأخلاقنا، وبيوتنا، وتربيتنا لأبنائنا، وعلاقتنا بربنا وخلقِه

وقد جرى أهل الشام، منذ أجيال، على أن يكون ذكر رسول الله ﷺ فاتحة أفراحهم ومناسباتهم؛ فكان المولد الشريف يُفتتح به حفل الزواج، وتُستقبل به ولادة المولود، ويُفرح به عند النجاح، ويُستقبل به الحاج بعد عودته، ويُحتفى به عند ختم القرآن، وفي سائر المناسبات التي تستوجب شكر الله تعالى. ولم يكن المقصود من ذلك أن تتحول المناسبات إلى احتفال بالمولد ذاته، وإنما أن يبدأ كل فرح بذكر صاحب الرسالة ﷺ، تيمنًا ببركته، واستحضارًا لمعاني الإيمان، وربطًا لكل نعمة بالله الذي أرسل إلينا هذا النبي الكريم هاديًا ومبشرًا ونذيرًا

وكان في ذلك معنى تربوي عميق؛ إذ كانت الأجيال تنشأ على أن اسم رسول الله ﷺ هو أول ما يطرق الأسماع في مواطن الفرح، وأن الصلاة والسلام عليه، وسماع شيء من سيرته وشمائله، جزءٌ من شكر الله على نعمه، فيبقى حبُّه حيًّا في القلوب، ويبقى نوره حاضرًا في البيوت، وتبقى سنته مرتبطةً بكل نعمة يجددها الله على عباده

وما أحوج أمتنا اليوم إلى أن تستعيد هذا المعنى؛ لا لتكثر الاحتفالات، بل لتكثر الصلة برسول الله ﷺ، ولتعود سيرته غذاءً للقلوب، وسنته منهاجًا للحياة، ومحبته روحًا تتجدد مع كل نعمة، حتى لا يكون مولده ذكرى عابرة في التقويم، بل ميلادًا جديدًا للإيمان في القلوب كلما أقبل شهر ربيع الأول

النور الذي ينبغي أن لا يخبو

لقد أكرم الله البشرية بنور سيدنا محمد ﷺ، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا في كل زمان هو: كيف نحفظ هذا النور حيًّا في قلوبنا وبيوتنا وأبنائنا؟

إن أعظم احتفاءٍ بمولده ﷺ ليس في الزينة، ولا في المظاهر، ولا في الكلمات التي تُقال ثم تُنسى، وإنما في أن نعرفه حق المعرفة. فالإنسان مفطورٌ على محبة من عرف، وكلما ازداد معرفةً برسول الله ﷺ ازداد له حبًّا، وكلما ازداد حبًّا له ازداد اقتداءً به، حتى يصبح هديه جزءًا من حياته، وسنته نبراسًا لطريقه

:ولذلك لم يجعل الإسلام محبة النبي ﷺ أمرًا مستحبًّا فحسب، بل جعلها جزءًا من كمال الإيمان. قال رسول الله ﷺ

:ولما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى، قال للنبي ﷺ

:فقال له رسول الله ﷺ

:فقال عمر رضي الله عنه

:فقال ﷺ

فكانت تلك الكلمة إعلانًا أن كمال الإيمان لا يتحقق حتى يتقدَّم حبُّ رسول الله ﷺ على هوى النفس، وأن هذا الحب ليس دعوى تُقال، بل منزلة يبلغها القلب حين يعرف نبيه حق المعرفة

:ولهذا جعل الله تعالى اتباع رسوله ﷺ برهانًا على صدق محبته سبحانه، فقال

فليست المحبة كلماتٍ تُردد، ولا عواطفَ موسمية، وإنما طاعةٌ واتباع، واقتداءٌ وتسليم.

ومن هنا كانت السيرة النبوية من أعظم أبواب الهداية؛ فهي ليست مجرد أحداثٍ تاريخية، بل التطبيق العملي للقرآن الكريم، والترجمة الحية لمعانيه، والبيان الواقعي لأحكامه. وقد سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت:

فمن أراد أن يرى القرآن حيًّا يمشي على الأرض، فلينظر إلى حياة سيدنا محمد ﷺ؛ إلى عبادته، ورحمته، وعدله، وصبره، وتواضعه، وقيادته، ومعاملته لأهله، وأصحابه، وأعدائه.

وإذا أراد الله بقومٍ خيرًا، فتح لهم باب التعرف إلى نبيه ﷺ، وهدى قلوبهم إلى تعلم سيرته، والإقبال على هديه، والعيش في ظلال سنته. فما ازداد عبدٌ معرفةً برسول الله ﷺ إلا ازداد له حبًّا، وما ازداد حبًّا له إلا ازداد اتباعًا له، وما ازداد اتباعًا له إلا ازداد قربًا من الله، وثباتًا على الصراط المستقيم.

وهكذا يبقى نور محمد ﷺ حيًّا؛ لا في الكتب وحدها، بل في القلوب التي أحبته، والعقول التي تعلمت هديه، والجوارح التي اقتدت بسنته، والأجيال التي ورثت هذا النور، فحملته كما حمله من قبلها الصالحون، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

:قال الله تعالى

وإذا كان رسول الله ﷺ هو حامل هذا النور إلى البشرية، فإن نصيب كل مؤمن منه يكون بقدر قربه من الله، واتباعه لرسوله، وإحيائه لسنته. وقد أشار الإمام سهل بن عبد الله التستري إلى معنى لطيف، وهو أن إشراق الأرض بنور ربها يوم القيامة يقابله إشراق القلوب في الدنيا بنور الهداية؛ فإذا أشرقت القلوب بمعرفة الله، انقشعت عنها ظلمات الغفلة، والهوى، والشهوات، كما تنقشع الظلمة عن الأرض عند طلوع النور

وليس هذا النور مرتبةً واحدة، بل هو مدارج يرتقي فيها السائر إلى الله؛ يبدأ بنور الإسلام الذي يخرجه من ظلمات الكفر، ثم نور الإيمان الذي يملأ قلبه بالتصديق، ثم نور اليقين الذي يثبت الفؤاد، ثم نور المعرفة الذي يكشف للعبد آيات ربه في الآفاق وفي نفسه، حتى يبلغ نور القرب من الله، حيث تصبح الطاعة لذته، والذكر أنسه، والرضا مقامه، ومحبة الله ورسوله ﷺ أعظم ما يملأ قلبه

ولعل هذا هو أعظم ما ينبغي أن نلتمسه في إحياء ذكرى مولد سيدنا محمد ﷺ؛ أن نزداد نصيبًا من هذا النور، وأن نخرج من ظلمات الغفلة إلى نور المعرفة، ومن ضعف المحبة إلى صدق الاتباع، ومن مجرد الإعجاب بشخصه الكريم إلى السير على هديه، حتى نلقى الله وقد حمل كل واحدٍ منا شيئًا من النور الذي جاء به خاتم أنبيائه ﷺ، فمن استجاب لهذا النور، وسار على هديه، وأحيا سنته، لم يكن نصيبه نورًا في الدنيا فحسب، بل يمتد أثر ذلك إلى الآخرة،

وكأن نور الرسالة الذي استقر في القلب في الدنيا، يتحول يوم القيامة إلى نورٍ يسعى بين يدي صاحبه، يهديه في أشد المواطن حاجةً إلى الهداية. ولذلك كان دعاء المؤمنين:

Related Articles

Table of Contents