blogs

بين الهجرة وعاشوراء

من غار ثور إلى شاطئ البحر: دروس في اليقين عندما تنقطع الأسباب ويأتي نصر الله

تمرُّ بالإنسان لحظاتٌ يظن فيها أن كل الأبواب قد أُغلقت، وأن الأسباب قد انقطعت، فلا يرى أمامه مخرجًا ولا خلفه ملجأ. وفي مثل هذه اللحظات تتجلى أعظم دروس اليقين

اختبأ رسول الله ﷺ في غار ثور، وقد أحاط به أعداؤه من كل جانب، بينما وقف نبي الله موسى عليه السلام أمام البحر، وجيش فرعون يقترب من خلفه. في كلا الموقفين بدت الأسباب الدنيوية قد نفدت، لكن عون الله كان أقرب مما يتصور البشر، وجاء النصر من حيث لا يحتسبون

ومن تمام حكمة الله تعالى أن جعل شهر المحرم أحد الأشهر الحرم الأربعة، فاختصه بمزيدٍ من الشرف والحرمة، وجعل فيه من المحطات الإيمانية ما يحيي في القلوب معاني اليقين، والصبر، والثبات، والثقة بوعد الله تعالى

قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (التوبة: 36)

:وقد جعل الله تعالى الأشهر الحرم أربعة، وهي

ذو القعدة –

ذو الحجة –

المحرم –

رجب –

وسُمّيت الأشهر الحرم لما خصّها الله به من شرفٍ وحرمة، إذ تعظم فيها الذنوب، كما تتضاعف فيها أجور الطاعات والأعمال الصالحة

:وقد شرّف النبي ﷺ هذا الشهر بقوله

«أفضلُ الصيام بعد رمضان شهرُ الله المحرَّم»

وفي رواية أخرى سماه «شهرُ الله المحرَّم»، وإضافة الشهر إلى اسم الله تعالى إضافةُ تشريفٍ وتكريم، إذ لم يُضِف النبي ﷺ شهرًا من الشهور إلى اسم الله بهذا اللفظ إلا شهر المحرم

ومن هنا، نستقبل شهر المحرم لا بوصفه بداية عامٍ هجري جديد فحسب، بل باعتباره موسمًا إيمانيًا تتجدد فيه الصلة بالله تعالى، ونراجع فيه أنفسنا، ونجدد عهدنا معه، ونتأمل الدروس العظيمة التي يحملها هذا الشهر المبارك من خلال الهجرة النبوية ويوم عاشوراء

:قال رسول الله  

«إنَّ للهِ في أيَّامِ دهرِكم نفحاتٍ، ألا فتعرَّضوا لها، فلعلَّ أحدَكم أن تُصيبه نفحةٌ منها فلا يشقى بعدها أبدًا»

والمقصود بهذا الحديث أن النفحات هي فيوضاتٌ ربانية، ورحماتٌ إلهية، وبركاتٌ خاصة يتفضل الله تعالى بها على عباده في أوقاتٍ ومواسم معينة. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى اغتنام هذه المواسم بالإقبال على الطاعات، والإكثار من الدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن، والتوبة الصادقة. فمن وفقه الله لنيل نفحةٍ من هذه النفحات، فقد يفتح الله له بها أبواب الهداية والتوفيق والخير، فتكون سببًا لسعادته في الدنيا وفوزه في الآخرة

وإذا كانت الأشهر الحرم تذكّرنا بحرمة الزمان، فإن الهجرة النبوية ويوم عاشوراء يذكراننا بسنن الله الثابتة في النصر والفرج والتأييد الإلهي. فهما يعلماننا أن مع العسر يسرًا، وأن بعد الشدة فرجًا، وأن معية الله لعباده المؤمنين، وعنايته بهم، أعظم من كل الأسباب المادية التي يراها الناس

إن المدة الواقعة بين أول المحرم والعاشر منه قصيرةٌ في عدد أيامها، لكنها عظيمةٌ في معانيها ودلالاتها. ففي مطلعها نستحضر الهجرة المباركة لرسول الله ﷺ، وفي عاشرها نتذكر نجاة نبي الله موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنده. ورغم أن بين الحدثين قرونًا طويلة، فإن رسالتهما واحدة، ودروسهما متشابهة، وسنن الله التي يجري بها أمر هذا الكون لا تتبدل ولا تتغير

إنها قصص اليقين عندما تنقطع الأسباب، وقصص النصر حين يظن الناس أن النصر مستحيل، وقصص المؤمن الذي لا يقف نظره عند ظاهر الأسباب، بل يرى وراء كل سبب قدرة الله، ورحمته، وحكمته، وتدبيره المحكم. فهو يعلم أن ما عند الله أعظم مما تراه الأبصار، وأن وعده سبحانه حق لا يتخلف، مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات

الهجرة التي غيّرت مجرى التاريخ

غار ثور

عندما أذن الله تعالى لرسوله ﷺ بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، خرج سرًّا بصحبة صاحبه وخليله أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ولتفادي ملاحقة قريش، لم يسلكا الطريق المباشر إلى المدينة، بل اتجها جنوبًا إلى غار ثور، حيث مكثا فيه ثلاثة أيام حتى تخفَّ حدة المطاردة ويتهيأ لهما طريق السفر. ولم تتوقف قريش عن تعقبهما، بل بذلت كل ما في وسعها للوصول إليهما، حتى انتهى المطاف بفرسانها إلى باب الغار نفسه. وفي تلك اللحظة الحرجة، قال أبو بكر الصديق :رضي الله عنه 

“لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا” 

فاجابه النبي ﷺ 

“ما ظنك باثنين الله ثالثهما”

فحفظهما الله تعالى، وصرف عنهما أعين المشركين، فلما هدأت المطاردة وانصرف الباحثون عنهما، واصلا رحلتهما المباركة نحو المدينة المنورة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام، ولتنطلق منها أعظم حضارةٍ قامت على الإيمان والعدل والرحمة

قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾  (التوبة: 40)

وستظل قصة غار ثور من أعظم الشواهد على حقيقة الإيمان والتوكل واليقين بالله. فعندما خذلت الأسباب ظاهرًا، وأحاط الخطر برسول الله ﷺ وصاحبه، كان قلب النبي ﷺ مطمئنًا بوعد ربه، ليعلّم الأمة إلى قيام الساعة أن الأمن الحقيقي ليس فيما تملكه الأيدي من أسباب، بل فيما يمنحه الله لعباده من معيةٍ وحفظٍ وتأييد

سراقة بن مالك والنبي ﷺ أثناء الهجرة

عندما خرج رسول الله ﷺ مهاجرًا من مكة إلى المدينة، أعلنت قريش جائزةً كبيرة لمن يتمكن من القبض على محمد ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإعادتهما إلى مكة

وكان سراقة بن مالك من الذين طمعوا في تلك الجائزة، فانطلق على فرسه عازمًا على تعقب النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه. ولما كان فارسًا ماهرًا وخبيرًا باقتفاء الأثر، ظن أنه لن يلبث أن يدركهما

غير أن ما حدث بعد ذلك كان آيةً من آيات حفظ الله لنبيه ﷺ. فما إن اقترب منهما حتى تعثرت فرسه وغاصت قوائمها في الأرض، فسقط عنها. فنهض وأعاد ركوبها، واستأنف المطاردة، فإذا بها تتعثر مرةً أخرى بالطريقة نفسها. ثم حاول للمرة الثالثة، فوقع الأمر ذاته، حتى أيقن أن رسول الله ﷺ محفوظٌ بعناية الله، وأنه لا سبيل لأحدٍ إليه إلا بإذن ربه

ولما أدرك أنه لن يستطيع الوصول إليهما، نادى رسول الله ﷺ يطلب الأمان، فمنحه النبي ﷺ الأمان، فتقدم إليه في سلام

وفي تلك اللحظة، قال رسول الله ﷺ واحدةً من أعجب الكلمات وأعظمها دلالةً في أحداث الهجرة

  «كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟»

في وقتٍ لم تكن فيه إلا الثقة بوعد الله

في تلك اللحظة، كان المسلمون فئةً قليلةً مستضعفة، لا دولة لهم، ولا جيش، بل كانوا يفرّون بدينهم وأنفسهم من بطش قريش. ومع ذلك، تحدّث رسول الله ﷺ بيقينٍ كامل عن سقوط الإمبراطورية الفارسية العظيمة، وعن نصر الإسلام وظهوره

ولابد أن هذا الوعد بدا لسراقة أمرًا يكاد يعجز العقل عن تصوره. فكيف لرجلٍ يُطارَد في صحراء الجزيرة، وقد خرج خفيةً هاربًا من أعدائه، أن يتحدث بكل هذه الثقة عن كنوز أعظم إمبراطورية في ذلك الزمان؟

ومضت السنوات، وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتح الله على المسلمين بلاد فارس، وجيء إلى المدينة المنورة بكنوز كسرى، ومن بينها سواراه المشهوران

فتذكر عمر رضي الله عنه وعد رسول الله ﷺ، فدعا سراقة بن مالك، وألبسه سواري كسرى، ليتحقق الوعد الذي أخبر به النبي ﷺ في قلب الصحراء قبل ذلك بسنوات طويلة، كما قاله تمامًا

وهكذا أصبحت الكلمات التي نطق بها رسول الله ﷺ في أيام الاستضعاف، والمسلمون يومئذٍ مهاجرون مطاردون لا يملكون من أسباب القوة شيئًا، حقيقةً شهدها الصحابة بأعينهم، ودليلًا خالدًا على صدق وعد الله، وأن اليقين به يسبق دائمًا تحقق الأسباب وظهور النتائج

خيمة أم معبد

محطةٌ من أعظم محطات الهجرة

ومن أشهر المحطات التي توقف عندها رسول الله ﷺ في طريق هجرته من مكة إلى المدينة خيمة أم معبد الخزاعية، واسمها عاتكة بنت خالد. وكانت تعيش مع زوجها أبي معبد على طريقٍ تسلكه القوافل والمسافرون، واشتهرا بين الناس بالكرم وحسن ضيافة عابري السبيل

ماذا حدث عند خيمة أم معبد؟

:واصل رسول الله ﷺ رحلة الهجرة، وكان يرافقه

أبو بكر الصديق رضي الله عنه –

عامر بن فهيرة رضي الله عنه –

عبد الله بن أريقط، الدليل الذي قادهم عبر طريقٍ غير مألوف بعيدًا عن أعين قريش –

وفي أثناء الطريق نزلوا عند خيمة أم معبد، يلتمسون شراء شيءٍ من الطعام أو اللبن

غير أن البلاد كانت تمر بفترةٍ من الجدب والقحط، فلم يكن عند أم معبد ما تقدمه لضيوفها، واعتذرت إليهم عن ذلك

وعندئذٍ وقع بصر النبي ﷺ على شاةٍ هزيلةٍ تقف بجانب الخيمة، وقد خلّفها أهلها لعجزها عن اللحاق بالقطيع من شدة ضعفها

فقال لها رسول الله ﷺ: «هل بها من لبن؟»

فقالت أم معبد: «هي أضعفُ من ذلك.»
 أي: إنها أضعف من أن تُدرَّ لبنًا

فاستأذنها رسول الله ﷺ أن يحلبها، فأذنت له. فوضع ﷺ يده المباركة على ضرعها، وسمّى الله تعالى، ودعا له بالبركة

فإذا بالضرع يمتلئ لبنًا بإذن الله، بعد أن كان يابسًا لا يُرجى منه شيء. فحلب رسول الله ﷺ إناءً كبيرًا حتى امتلأ، فسقى من كان معه حتى شبعوا جميعًا، ثم شرب هو ﷺ، ثم ترك لأم معبد وأهل بيتها ما يكفيهم من اللبن

وهكذا تحولت لحظات الفقر والجدب، بفضل الله تعالى، إلى مشهدٍ من البركة والوفرة، لتكون آيةً أخرى من آيات الله في رحلة الهجرة المباركة

عودة أبي معبد

ولما عاد أبو معبد إلى خيمته في ذلك اليوم، فوجئ بوجود اللبن في وقتٍ كان القحط قد اشتد، حتى إن الشياه السليمة لم تعد تُدرُّ إلا القليل

فسأل زوجته: من أين لكم هذا اللبن؟

فأخبرته أم معبد بما جرى، ثم أخذت تصف له الرجل المبارك الذي نزل بخيمتهم. وكان وصفها من أدق وأجمل الأوصاف الخَلقية لرسول الله ﷺ، حتى حفظته كتب السيرة، وتناقله العلماء عبر الأجيال

فلما سمع أبو معبد حديثها، وعرف ما وقع من تلك البركة، أدرك أن هذا لا يكون إلا للنبي ﷺ الذي كانت أخبار دعوته قد انتشرت في أنحاء الجزيرة العربية

ويذكر علماء السيرة أن أم معبد وأبا معبد أسلما بعد ذلك، فكانا من السعداء الذين تشرفت حياتهم بلقاء رسول الله ﷺ، ونالوا بركة صحبته في طريق الهجرة

وصف أم معبد لرسول الله ﷺ

:ولما سألها أبو معبد عن ذلك المسافر المبارك، أخذت تصف رسول الله ﷺ وصفًا بديعًا، حفظه المسلمون وتناقلته كتب السيرة جيلاً بعد جيل، فقالت

«ظَاهِرُ الوَضَاءَةِ، أَبْلَجُ الوَجْهِ، حَسَنُ الخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ، وَلَمْ تَزْرِ بِهِ صُعْلَةٌ»

أي: كان ﷺ مشرق الوجه، ظاهر الجمال والنقاء، يتلألأ نورًا وبهاءً، حسن الهيئة، معتدل القامة والبنية، فلم يكن ممتلئ الجسم امتلاءً يُعاب، ولا نحيفًا هزيلًا ينتقص من هيبته وجماله

ويُعد هذا الوصف من أجمل وأشهر الأوصاف الخَلقية لرسول الله ﷺ، إذ لم يقتصر على بيان جمال ملامحه، بل صوّر كذلك ما كان يفيض منه من وقار، وهيبة، وسكينة، وجلال، حتى إن كل من رآه تأثر بحضوره الشريف، وأدرك أنه أمام شخصيةٍ استثنائية اصطفاها الله لحمل رسالته إلى العالمين

عاشوراء: نجاة موسى وبني إسرائيل

ومن أعظم الأحداث التي يخلّدها شهر المحرم نجاةُ نبيِّ الله موسى عليه السلام وبني إسرائيل من طغيان فرعون. وهو الحدث الذي منح يوم عاشوراء منزلته العظيمة، فصار يومًا تتجلى فيه معاني الشكر لله تعالى على نصره، وحفظه، ورحمته بعباده المؤمنين

بعث الله تعالى موسى عليه السلام إلى فرعون، يدعوه إلى عبادة الله وحده، ويأمره بأن يُطلق بني إسرائيل الذين استعبدهم سنوات طويلة، وأذاقهم ألوان الظلم والقهر والعذاب

ورغم الآيات البينات والمعجزات العظيمة التي أيّد الله بها موسى عليه السلام، لم يزدد فرعون إلا استكبارًا وعنادًا، فكذّب برسالة الله، وأصر على طغيانه

وبعد سنوات من الدعوة والصبر على الأذى، أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلًا

فلما علم فرعون بخروجهم، جمع جموعه، وحشد جيشًا عظيمًا، وانطلق يطاردهم

حتى إذا بلغ موسى عليه السلام وقومه شاطئ البحر، وجدوا أنفسهم أمام موقف بدا في ظاهره مستحيلًا؛ البحر أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، وكأن جميع أسباب النجاة قد انقطعت

:عندها امتلأت قلوب بني إسرائيل خوفًا، وقالوا

(إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)

فأجابهم موسى عليه السلام بكلمات خالدة ستظل من أعظم ما قيل في اليقين بالله والتوكل عليه

(كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)

لقد لخّصت هذه الكلمات حقيقة الإيمان؛ فحين يرى الناس انسداد الطرق، يرى المؤمن بابًا سيفتحه الله، وحين تنقطع الأسباب، يبقى الاعتماد على مسبب الأسباب

ثم أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام

(فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ)

فامتثل موسى عليه السلام أمر ربه، فضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر بأمر الله، وصار كل فرق منه كالجبل العظيم، وانكشفت في وسطه طرق يابسة، فعبر موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين سالمين، والماء قائم عن أيمانهم وشمائلهم

أما فرعون، وقد أعماه الكبر والغرور، فلم يعتبر بما رأى، بل اندفع بجنوده في الطريق نفسه، مصرًّا على ملاحقة موسى وقومه

فلما اكتمل عبور المؤمنين، أمر الله البحر أن يعود كما كان، فانطبقت أمواجه على فرعون وجنوده، فأغرقهم أجمعين، وكان ذلك نهاية أحد أعظم الطغاة في التاريخ

:ولما أيقن فرعون بالهلاك، ولم يبق له من الدنيا إلا لحظات، أعلن إيمانه قائلًا

(آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)

لكن إيمانه جاء بعد فوات الأوان؛ إذ لا ينفع الإيمان عند معاينة الموت ونزول العذاب. فكان غرق فرعون آية خالدة على أن الله تعالى قد يُمهل الظالم، لكنه لا يُهمله، وأن العاقبة دائمًا للمتقين، وأن نصر الله يأتي في الوقت الذي يقدّره سبحانه، ولو طال زمن الابتلاء

لكن ذلك الإيمان لم ينفعه، لأنه جاء بعد معاينة العذاب، حين أصبح الهلاك واقعًا لا مفر منه.

وهكذا نجّى الله تعالى موسى عليه السلام ومن آمن معه، وأهلك الطاغية الذي ادّعى الربوبية، فعجز أمام قدرة الله التي لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها أو يفرّ من قضائها.

وبعد سنوات، لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء. فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنده، فنحن نصومه شكرًا لله

:فقال رسول الله ﷺ

«نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»

فصامه ﷺ، وأمر أصحابه بصيامه، شكرًا لله تعالى، وإحياءً لذكرى هذا النصر العظيم

ولذلك، فإن قصة عاشوراء ليست مجرد حدثٍ تاريخي يُروى، بل هي رسالة خالدة تتجدد مع كل زمان، تُذكِّر المؤمن بأن الله تعالى إذا انقطعت الأسباب، خلق من حيث لا يُحتسب سببًا للنجاة، وأن البحر الذي بدا حاجزًا لا يمكن تجاوزه، جعله الله طريقًا إلى النجاة، بينما صار الجيش الذي ظنه الناس لا يُقهر عبرةً خالدة للأمم

إنها قصة اليقين حين يبدو الأمل بعيدًا، وقصة الثبات عندما يملأ الخوف القلوب، وقصة نصر الله الذي يأتي في اللحظة التي يظن فيها الناس أن النجاة قد أصبحت مستحيلة. فهي تعلمنا أن الفرج قد يكون أقرب إلينا مما نتصور، وأن وعد الله حق، وأن من أحسن الظن بربه، وتوكل عليه، وأخذ بالأسباب المشروعة، فلن يضيعه الله أبدًا

الدروس المشتركة بين الهجرة وعاشوراء

وقعت الهجرة النبوية ويوم عاشوراء في زمانين مختلفين، ومكانين مختلفين، وظروفٍ متباينة، إلا أنهما يجتمعان في معانٍ عظيمة، ودروس خالدة، لا تزال تهدي المؤمنين في كل عصر. فمن غار ثور إلى شاطئ البحر، تتكرر السنن الإلهية نفسها، وتظهر الحقائق ذاتها عن الإيمان، والصبر، والثبات، ونصر الله لعباده المؤمنين

١. معية الله هي أعظم مصدر للقوة

لعل أعظم درس يجمع بين الهجرة وعاشوراء هو حقيقة معية الله لعباده المؤمنين. فعندما يبلغ البلاء أشده، وتنقطع الأسباب في نظر الناس، يجد المؤمن سكينته لا في تغير الظروف، وإنما في يقينه بأن الله معه، يحفظه، ويؤيده، ويهديه، ويرعاه

فليست القوة الحقيقية في زوال الشدائد، وإنما في اليقين بأن الله لا يخذل من توكل عليه، ولا يترك من فوض أمره إليه

٢. اليقين بوعد الله عندما تضعف الأسباب

لا يظهر صدق اليقين بالله عندما تكون الطرق مفتوحة، وإنما يتجلى حين تبدو جميع الأسباب قد انقطعت، ويظن الناس أن النصر أو الفرج مستحيل

فالناس يحكمون بما تراه أعينهم، أما المؤمن فيحكم بوعد الله الذي لا يتخلف. ولذلك يبقى قلبه مطمئنًا، يحسن الظن بربه، ويثق بحكمته، ويرى ما وراء المحنة من رحمة، وما وراء الابتلاء من لطف، وإن لم تتكشف له النتائج بعد

٣. الأخذ بالأسباب جزءٌ من حقيقة التوكل

إن التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب أو إهمال السعي، بل يأمر الإسلام المؤمن بأن يخطط، ويجتهد، ويستعد، ويبذل كل سببٍ مشروع، ثم يعلّق قلبه بالله وحده

فالأسباب لا تنفع ولا تضر بذاتها، وإنما تنفع بإذن الله تعالى. والقلب المؤمن لا يعتمد على الأسباب، وإنما يعتمد على مسبب الأسباب. ولذلك فإن الأخذ بالأسباب ليس مناقضًا للتوكل، بل هو من تمامه وكماله

٤. الفرج والرزق يأتيان من حيث لا يحتسب الإنسان

يميل الإنسان بطبعه إلى البحث عن الحلول في الطرق التي يعرفها، لكن الله سبحانه كثيرًا ما يجعل الفرج، والرزق، وفتح الأبواب من حيث لا يتوقع العبد

فقد يكون ما يراه الإنسان نهاية الطريق هو بداية النجاة، وما يظنه حرمانًا يكون بابًا إلى الخير. ولذلك يتعلم المؤمن ألا يحصر رحمة الله فيما يراه بعينيه، بل يوقن أن الله قادر على أن يفتح له أبوابًا لم تخطر له على بال، وأن يجعل له مخرجًا من حيث لا يحتسب

٥. التأييد الإلهي أعظم من كل قوة مادية

كثيرًا ما يظن الناس أن النصر يتحقق بالمال، أو بكثرة العدد، أو بقوة السلاح، أو بالنفوذ والتخطيط وحدها. غير أن أحداث المحرم تعلمنا أن القوة الحقيقية إنما هي في تأييد الله ونصره

فإذا أيّد الله عبده، تحولت قلة العدد إلى قوة، والضعف إلى عزّة، والقحط إلى بركة، والعوائق إلى طرقٍ مفتوحة. وقد تُعجب الناس القوة المادية، لكن التأييد الإلهي هو الذي يصنع التحولات الكبرى، ويغيّر مجرى التاريخ

٦. الخوف يضيّق الأفق، واليقين يوسّعه

الخوف يجعل الإنسان أسير الخطر الذي يراه أمامه، فيضيق أفقه، وقد يغفل عن سعة قدرة الله وحكمته. أما اليقين، فيمنح المؤمن طمأنينةً وثباتًا، فيبقى هادئًا، متوازنًا، حسن الظن بربه، حتى في أشد الأوقات صعوبة. فهو يدرك حقيقة الابتلاء، لكنه لا يسمح له بأن يرسم مستقبله أو يطفئ أمله

٧. المستقبل لمن وثق بوعد الله

ينظر أكثر الناس إلى المستقبل من خلال واقعهم الحاضر، أما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا ينظرون إليه من خلال وعد الله. ويعلّمنا الإيمان أن نتجاوز ضيق اللحظة، وأن نوقن بأن ما نراه اليوم من شدة قد يكون مقدمةً لفرجٍ عظيم، وأن ما يبدو نهايةً للطريق قد يكون في الحقيقة بدايةً لمرحلةٍ جديدة أرادها الله لعباده

٨. نعمة الصحبة الصالحة ودعم الأسرة

ما من رسالة عظيمة، ولا مشروع مبارك، ولا مرحلة فاصلة في حياة الإنسان، إلا وكان للصحبة الصالحة والأهل المخلصين أثرٌ في الثبات والنجاح. فالله تعالى يهيئ لعباده من يعينهم، ويؤازرهم، ويشد أزرهم في أوقات المحن والشدائد. ولذلك كانت الصحبة الصالحة، والأسرة الداعمة، والرفقة الصادقة من أجلِّ نعم الله على عباده، ومن أعظم أسباب الثبات عند الابتلاء، والعون على الطاعة، وتحقيق المقاصد النبيلة

٩. التضحية تسبق التحول

لا تتحقق الإنجازات العظيمة، ولا تقع التحولات الكبرى، إلا بعد بذلٍ وتضحية. فمناطق الراحة نادرًا ما تكون منطلقًا للتغيير، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات. وكثيرًا ما يبدأ طريق الإصلاح بترك المألوف، والصبر على المشقة، وتقديم طاعة الله على الراحة والرغبات الشخصية. وما يُترك ابتغاء مرضاة الله لا يضيع أبدًا، بل يعوض الله صاحبه خيرًا منه في الدنيا أو يدخره له في الآخرة، أو يجمع له بين الخيرين

١٠. الشكر يحفظ النعم ويزيدها

لا ينظر المؤمن إلى النجاة، أو النجاح، أو الرزق، على أنها ثمرة جهده وحده، بل يعلم أن كل نعمة هي فضلٌ من الله تعالى قبل كل شيء. ولذلك يحول الشكرُ النعمةَ إلى عبادة، ويغرس في القلب دوام الافتقار إلى الله، واستحضار فضله في كل حين. فكما يلجأ المؤمن إلى ربه في أوقات الشدة، فإنه لا يغفل عن شكره في أوقات الرخاء، لأن دوام النعم مرتبط بشكر المنعم، كما قال سبحانه

(لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)

١١. الطغيان لا تكون له الكلمة الأخيرة

ومن أوضح الروابط بين الهجرة وعاشوراء أن الطغيان، مهما طال أمده، لا تكون له الغلبة في النهاية. فقد مثّل فرعون نموذج الحاكم المستبد الذي ادّعى لنفسه ما ليس له، واستعلى على عباد الله، بينما مثّلت قريش طغيان مجتمعٍ عزم على إطفاء نور الحق، ومحاربة الدعوة، وإسكات صوت الإيمان. وكلاهما ظن أنه يملك زمام المستقبل، وأنه قادر على القضاء على أولياء الله

غير أن التاريخ يشهد، جيلاً بعد جيل، بأن الظلم مهما بدا قويًا فهو إلى زوال، وأن الباطل قد يعلو زمنًا، لكنه لا يدوم. أما الحق، فإنه باقٍ بثباته، لأن الله تعالى هو الذي يتولى حفظه ونصره، ولأن الطغيان يحمل في داخله أسباب سقوطه، ويهلك بظلمه قبل أن يهلك بقوة غيره

١٢. سنن الله لا تتبدل ولا تتغير

على الرغم من أن أحداث الهجرة وعاشوراء يفصل بينها قرون طويلة، فإن السنن الإلهية التي تحكمهما واحدة لا تتغير. فقد تتغير الأزمنة، وتتبدل الأمم، ويتعاقب الناس، لكن وعد الله، وحكمته، ونصره لعباده المؤمنين، وعدله في الظالمين، تبقى حقائق ثابتة لا تتبدل ولا تتحول.

(فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)

ماذا نتعلم نحن اليوم؟

كم من إنسان يقف اليوم أمام غارٍ أو بحرٍ في حياته؟

مريض ينتظر الشفاء

باحث عن عمل يرجو الفرج

لاجئ يتطلع إلى الأمان

أسرة تبحث عن مخرج من ضيق الحياة

أم تحمل في قلبها همومًا لا يعلمها إلا الله

شاب يقف حائرًا أمام مستقبلٍ مجهول

مجتمع يتساءل: من أين سيفتح الله الباب القادم؟

لكل واحدٍ منا لحظة يشعر فيها أن الأسباب قد ضاقت، وأن الطريق قد انسد، وأن القلب يهمس في صمت: أين المخرج؟

لكن الهجرة وعاشوراء تعلّمانا أن المؤمن لا يقيس الأمل بما تراه عيناه وحدهما، ولا يحكم على المستقبل بواقع اللحظة. فعندما تحيط به المخاوف، ويتزاحم القلق في قلبه، يتعلم أن يردد كلمات الأنبياء وأهل اليقين، مستيقنًا أن الفرج بيد الله، وأن رحمته أوسع من كل ضيق

(لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)

:وعندما تبدو جميع الطرق مغلقة، نتعلم أن نقول كما قال موسى عليه السلام

(كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)

فقد يفقد الإنسان عمله، ويظن أن أبواب الرزق قد أُغلقت، ثم يفتح الله له بابًا خيرًا لدينه، وكرامته، وأسرته. وقد تواجه أسرةٌ أبوابًا مغلقة في السكن، أو الهجرة، أو العلاج، ثم يفتح الله لها من حيث لا تحتسب بابًا لم يخطر لها على بال

وقد يتأخر شفاء المريض، لكن الله يرزقه صبرًا يطمئن به قلبه، وقربًا منه سبحانه، وأشخاصًا يسخرهم لمساندته والوقوف إلى جانبه، فيكون ذلك من أعظم وجوه رحمته وعطائه

وليس من الضروري أن ينشق البحر في حياتنا بالطريقة التي نتوقعها. فقد تكون المعجزة قوةً يمنحها الله لنا لنواصل السير، أو حكمةً تلهمنا القرار الصائب، أو إنسانًا يرسله الله في الوقت الذي نكون فيه أحوج ما نكون إلى العون. وقد يأتي الفرج في صورة فرصةٍ جديدة، أو قلبٍ رقّ بعد قسوة، أو إجابةٍ تأخرت لحكمة، أو صرفٍ لشرٍ ظنناه خيرًا لنا

وبين غار ثور وشاطئ البحر، تتردد رسالة واحدة لا تتغير:

إذا ضاقت بالأسباب سبلُ الأرض، اتسع باب السماء. وإذا بلغ الكرب غايته، كان الفرج أقرب مما يظن الناس

فليكن المحرم موسمًا نجدد فيه يقيننا بالله، ونقوي توكلنا عليه، و نستحضر سننه التي لا تتبدل. فما دام الله معنا، فلا خوف يغلبنا، ولا طريق ينسد إلى الأبد، ولا محنة تدوم. ومن وثق بوعد الله، رأى من لطفه وتدبيره ما يفوق كل توقع

(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)

Related Articles

Table of Contents